محاضرات السيد الخوئي لمحمد علي الخرسان

27

محاضرات في المواريث

ظاهرها ! ولكنّه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته ، ولم يتحفّظ منها . وكان الأحسن أن يقول : « مغمور » أو « مغلوب بالمرض » وحاشاه أن يعني بها غير ذلك ! ولجفاة الأعراب من هذا الفن كثير ، سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط : ربّ العباد ما لنا ومالكا * قد كنت تسقينا فما بدا لكا أنزل علينا القطر لا أبا لكا فقال سليمان : أشهد أنّه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد ، فأخرجه أحسن مخرج . وعلى نحو هذا يحتمل كلامه في صلح الحديبيّة لمّا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ألم تقل لنا : ستدخلونها في ألفاظ نكره حكايتها ، حتّى شكاه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أبي بكر ، وحتّى قال له أبو بكر : الزم بغرزه فو اللّه إنّه لرسول اللّه . وعمر هو الذي أغلظ على جبلة بن الأيهم حتّى اضطرّه إلى مفارقة دار الهجرة ، بل مفارقة دار الإسلام كلّها ، وعاد مرتدّا داخلا في دين النصرانيّة لأجل

--> كما هو دأبهم - وحذفوا قوله : ( إنّه ليهجر ) كما هو مثبت في الطبعة القديمة من صحيح البخاري ، فوضعوا مكانها « إن النبيّ قد غلب عليه الوجع » في الطبعات الحديثة . إلّا أن المتأمل في هذه الرواية يتّضح له جليّا أنّ عمر مع حزبه قد فرضوا رقابة شديدة على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله محاولين منعه من الإدلاء بوصيّته ، خوفا من خروج الأمر من أيديهم ، وإلّا فما معنى الاختلاف في تلك الساعة : فمنهم من يقول : ( قرّبوا يكتب لكم رسول اللّه كتابا لن تضلّوا بعده ) ومنهم من يقول : ( القول ما قال عمر ) ! كيف يقدّم قول عمر على قول رسول اللّه ؟ ! وهذا ممّا أدّى إلى انزعاج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وطردهم من مجلسه بقوله : « قوموا عنّي » . ولأجل ذلك كان ابن عباس رضي اللّه عنه يتأسّف ويتحسّر ، ويقول : ( إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ) راجع صحيح البخاري 7 : 9 ، ( باب قول المريض : قوموا عنّي ) . و 5 : 137 ( باب مرض النبيّ ووفاته ) .